أن السياسات والأساليب الإنمائية، في أي بلد
كان، لا تجري في الفراغ، بل هي تستلهم، علناً أو ضمناً، من الأجواء الاقتصادية
والمالية الدولية والإقليمية السائدة والمهيمنة. وهذا صحيح بخاصة في حالة الدول النامية التي
تتأثر أكثر من سواها بما يجري في الدول المتقدمة.
حيث شهد التاريخ الاقتصادي للدول النامية نوع من التناوب أو تبادل
الأدوار في عملية التنمية الاقتصادية بين الدولة في القطاع والخاص ، فبلغ التوجه نحو
توسيع دور القطاع العام ذروته
في بداية الستينات من القرن الماضي ،ثم تراخى تدريجياً لينحسر في نهاية السبعينات
،في المقابل أشتد زخم الخصخصة في بداية الثمانينات ،وبلغ ذروته عند مطلع الألفية
الثالثة مع تزايد دور الشركات العابرة للقومية وأتساع نطاق عولمة الاقتصاد .أن هذا التغيير المستمر في
موقف الدولة من المشاركة في عملية التنمية، وانتقالها من مرحلة الدولة الفاعلة الى
أخرى أقل فاعلية وأكثر حيادية. لم يأت كرد فعل على الضغوط والقيود الداخلية التي
تواجه عملية التنمية ، وأما جاء في الغالب
كمحاكاة للسياسات الاقتصادية المستخدمة في الدول المتقدمة ،وتولدت هذه المحاكاة
عن الاستجابة للضغوط السياسية والاقتصادية الخارجية التي تمارس بشكل مباشر أو غير مباشر
على تلك الدول . ولكن من الناحية المنطقية لا يبدو هناك مبرر لمثل تلك
المحاكاة ، فالقوانين والنظم
الاقتصادية نسبية و ليست مطلقة في
الزمان والمكان ، وعلى كل مجتمع أن يأخذ منها ما يتلاءم ودرجة تطوره وترتيباته المؤسسية ،وبالتالي فأن
ما هو مفيد لدول قطعت أشواطاً طويلة في عملية التنمية ، قد لا يكون بالضرورة مفيد
لدول ما زالت ترزح تحت وطأة التخلف . ولكن ذلك لا يتعارض مع مبدأ الاستفادة من
تجارب الدول الأخرى ، على أن تعتمد تلك الاستفادة على دراسة متأنية لتاريخ الدول المتقدمة ، وتحديداً على تلك الفترات التي
سعت فيها تلك الدول للخروج من التخلف وتهيئة شروط الانطلاق نحو التنمية ، حيث
تكشف تلك الفترات عن وجود دور حيوي للدولة في تحقيق التقدم الاقتصادي
،وحماية الاقتصاد الوطني ودعم الطبقة الرأسمالية ،ومساعدتها في عملية تجميع الفائض
الاقتصادي وتوجيهه لإحداث التراكم الرأسمالي اللازم لعملية التنمية .و بهدف التعرف على أهم الدوافع
والأسباب والنتائج المترتبة علىالتغييرات في موقف الدولة من قضية المشاركة في
النشاط الاقتصادي سيتم تقسيم الدراسة إلى الفقرات آلاتية :-
أولاً:- الفكر الاقتصادي ودور الدولة في
عملية التنمية
ثانياً:- مرحلة الاقتصاد الحر والدولة
الحيادية
ثالثاً:- مرحلة الاقتصاد الموجه والدولة
المتدخلة
رابعاً:- مرحلة الدولة المنتجة والمخططة
خامساً:- الدولة والقطاع الخاص في الدول
النامية
سادساً:- الدولة والقطاع الخاص في الدول
العربية
أولاً:- الفكر الاقتصادي ودور الدولة في
عملية التنمية
تعد الفرضية التي صاغها الاقتصادي (غرشنكرون A.Gerschenkorn )(1) بعد دراسته لتجربة التصنيع
في أوربا ، التي تنص على " أن الدولة تلعب دوراً أكبر في عملية النمو كلما
كان الاقتصاد أكثر تخلفاً " من أكثر الفرضيات شيوعاً في الأدب الاقتصادي ، الذي يتناول دور الدولة في عملية التنمية ، وقد أعترف الاقتصادي
(كوزنتس S.Kuznets ) (2) بتأثير تلك الفرضية عليه
،عندما صاغ فرضيته التي أكد فيها "على أن التخلف المتزايد أو الدخول
المتأخر إلى عملية النمو الاقتصادي الحديث
،سيمارس ضغوطاً كبيرة تدفع بوحدات القطاع
الخاص التي تدخل متأخرة إلى السوق إلى
الاعتماد بشكل متزايد على سلطة الدولة لمساعدتها
على اللحاق بالوحدات الاكثر تقدماً
" .غير أن أفضل صياغة لفرضية "غرشنكرون" تلك التي قدمها (
ايكشتاين A.Eckstein) و ربط فيها حاجة الاقتصاد إلى
التدخل المكثف للدولة بالعوامل آلاتية(3) :-
1-
كلما كان مدى أهداف التنمية الاقتصادية واسعاً ، من الناحية الكمية والنوعية .
2-
كلما قصر الأفق الزمني الذي تحتاجه عملية تحقيق الأهداف .
3-
كلما زادت ندرة الموارد والوسائل المتاحة لتحقيق هذه الأهداف.
4-
كلما زادت العوائق غير الاقتصادية الناتجة عن ضعف مرونة أو
جمود البنيان الاجتماعي والثقافي والمؤسسي ،لأن هذه العوامل ستنعكس بدورها
على الترتيبات التعاقدية والقانونية ، ودرجة التحضر وخصائصه ، ودرجة الحراك
الاجتماعي ،وطبيعة البناء الطبقي، وتركيبة القوى السياسية وحجم المشاركة الشعبية
في صياغة وتنفيذ القرارات التنموية ،
ونظام القيم السائد .
5-كلما
زادت درجة التخلف النسبي للاقتصاد .
كما
يرى "ايكشتاين " أن هناك ارتباط
موجب بين مستوى التنمية المتحقق وبين
الفرص المتاحة للقطاع الخاص لممارسة الاختيار و المبادأة الفردية ، ألا أنه يؤكد من ناحية أخرى على أن القيود الداخلية
في الدول النامية وبخاصة قيود التقنية
والموارد لا تترك مجالاً واسعاً لإختيار
الشكل المؤسسي الملائم لعملية التنمية. وبصورة عامة فأن عملية الاختيار
تجري بصورة تلقائية في ألاقتصادات التي يسيطر فيها القطاع الخاص ونظام السوق . آما
في ألاقتصادات التي يسيطر فيها القطاع العام ونظام التخطيط المركزي فأنها
تكون في الغالب دالة لتوجهات النظام السياسي .
وفي
المجال الاقتصادي يميز "ايكشتاين "
بين خمسة أصناف من التدخل الحكومي وهي (4):-
1-
التدخل الحكومي لتوفير رأس المال الاجتماعي ,بما في ذلك الحفاظ على القانون
والنظام في المجتمع, تحديد الالتزامات القانونية والتعاقدية وتنفيذها , تقديم
التسهيلات التعليمية والصحية,والقيام بالوظائف العسكرية والدفاعية.وهي كلها يجري
تجهيزها عادة من قبل وكالات حكومية .
2-
توفير البنية الارتكازية الاقتصادية , مثل المصارف المركزية والتسهيلات النقدية
والمالية , والطرق العامة والمرافق العامة الأخرى كالماء والكهرباء ووسائل
المواصلات والاتصالات
3-تطبيق الرقابة المباشرة و غير مباشرة من خلال
إجراءات متنوعة مثل التعريفة الجمركية والضرائب والدعم وتقنين السلع والائتمان
والرقابة على الأسعار.
4-
إقامة بعض المشروعات الحكومية ، التي تتراوح بين إدارة بعض الصناعات أو بعض
المشروعات العامة في صناعات مختلفة , أو الملكية العامة لبعض أو كل وسائل الإنتاج
.
5-
التخطيط المركزي الذي قد يشتمل على تركز كامل أو جزئي في عملية صنع القرار
الاقتصادي في مجلس تخطيط قومي مركزي .
وتجدر
الإشارة هنا إلى أن كل من الصنف الأول والثاني للتدخل الحكومي يمثلان الحد الأدنى
من وظائف الحكومة ،ويمثلان النمط السائد
في معظم الدول الصناعية المتقدمة,
أما الصنف الاخير وهو أسلوب التخطيط المركزي الشامل, فيمثل الحد الأعلى
للوظائف الحكومية. و بصورة عامة ، كلما
زادت شمولية وسرعة ما توفره الحكومة من الحد الأدنى من وظائفها , قل الضغط أو
الحاجة إلى قيامها بوظائفها في حدها الأعلى . فربما يكون الاعتماد على الحد الأعلى
من الوظائف الحكومية دليلاً على فشل الحكومة في توفير الحد الأدنى من وظائفها في
الماضي والحاضر (5).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق