الثلاثاء، 20 أكتوبر 2015

الاقتصاد الحر والدولة الحيادية

     أن مراجعة التاريخ الاقتصادي للدول الصناعية المتقدمة تبرهن وبوضوح ، على أن النمو الاقتصادي ظاهرة حديثة نسبيا تعود إلى نهاية القرن الثامن عشر فقط ، أي عندما بدأت الثورة الصناعية في بريطانيا آنذاك ، كما أن درجة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي و موقفها من القطاع الخاص خلال الفترة الممتدة من بداية الثورة الصناعية إلى حدوث الكساد الكبير جاءت في معظم الأحيان كاستجابة لمتطلبات الواقع الاقتصادي ولم تفرضها النظريات والأيديولوجيات الاقتصادية أو توجهات النظام السياسي ، بل أن تلك النظريات والأيديولوجيات هي نفسها كانت انعكاس للبيئة الاقتصادية التي سادت في تلك الفترة (6). حيث شكل  انطلاق الثورة الصناعية  في الربع الأخير من القرن الثامن عشر ، البداية الحقيقية لتشكل ملامح النظام  الرأسمالي الجديد ، و شهدت هذه المرحلة ازدهار النشاط الصناعي ، وبروز الرأسمالية الصناعية  كقوة فاعلة  اقتصادياً واجتماعيا ،في تلك الأيام كانت بريطانيا أكثر البلدان الأوربية تطوراً ، نتيجة قيامها باستغلال الموارد المتاحة في مستعمراتها في أسيا بشكل عام وشبه القارة الهندية بشكل خاص ،حيث أدت  هذه العملية إلى توفير فوائض مالية كبيرة جداً ،ومستويات ادخار عالية سمحت للرأسماليين بالاستثمار حتى في مجالات رأس المال الاجتماعي بالإضافة إلى استثماراتهم الإنتاجية الرئيسية في قطاع الصناعات الخفيفة والثقيلة (7) ،في تلك  الظروف ساد مفهوم الدولة الليبرالي ،وكانت وظائف الدولة تنظيمية مقتصرة على الحد الأدنى : الآمن والقضاء والجيش والدبلوماسية ، أما الوظائف الأخرى فكانت من اختصاص القطاع الخاص ، وكان محظور على الدولة أن تتدخل في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية ، وقد ساهم في تعزيز هذا الموقف الأفكار الليبرالية للاقتصاديين الكلاسيك وفي مقدمتهم آدم سميث و ريكاردو  التي جاءت لدعم  موقف الدولة من القطاع الخاص ، فقد أكد آدم سميث  على أهمية ضرورة تركيز  الدولة على أداء وظيفتها كدولة حارسة ، وحصرها بثلاث وظائف أساسية هي ، الدفاع  ،وتوفير الآمن والعدالة لحماية الملكية الخاصة  ،فضلا عن قيامها بالمشاريع التي يعجز الرأسماليون عنها أو لا يرغبون بها ، وبذلك جعل وضع الوظيفة الثالثة في إطار شديد المرونة ، تحدده التغييرات التي يمكن أن تطرأ على ظروف عملية النمو الاقتصادي .  كما طالب الدولة بالمحافظة على مبدأ الميزانية المتوازنة ، التي لا يكون فيها للضرائب أو الأنفاق العام  أثار على النشاط الاقتصادي (8). وذلك من أجل توفير الظروف الملائمة لعمل  نظام السوق ، الذي يقوم على ضرورة توفر  الحرية الاقتصادية ، التي تشمل على حرية الإنتاج ،أي حرية المنتج في أن يستغل موارده في أي شكل من أشكال الاستغلال ،وحرية المستهلك في أن يتصرف في دخله بالطريقة التي يراها مناسبة،كما يقوم جهاز السوق أو نظام الأسعار بالتوفيق بين قرارات المستهلكين والمنتجين.و اختلف موقف الدولة  من مسالة التدخل في النشاط الاقتصادي ومن القطاع الخاص  في بلدان أوربا القارية  واليابان ، وذلك  لاختلاف الظروف التي واجهت عملية انتقال هاتين المجموعتين إلى الرأسمالية عن تلك الظروف التي واجهت بريطانيا. فنجد في مجموعة بلدان أوربا القارية  وخاصة في فرنسا وسويسرا  وألمانيا وهولندا وبلجيكا ، أن النظم الابوية استثمرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مبالغ ضخمة في عدد من المشاريع الرائدة ،التي كانت مملوكة كلياً للحكومة ، وقد تفاوتت مستويات رأسمالية الدولة (الملكية الحكومية ) في هذه البلدان بحسب التفاوت في مستوى فجوة النمو الصناعي بينها وبين بريطانيا .
وقد برهنت تجربة اليابان وعقب ثورة ( الميجيMeiji) في أواخر القرن التاسع عشر وتحديداً خلال الفترة 1868-1880  ، على إمكانية الإسراع في عملية النمو الاقتصادي ، وعلى أن الانتعاش الاقتصادي المستمر ليس بظاهرة أوربية فقط. ورغم أن التجربة اليابانية شديدة الشبه بتجارب بلدان أوربا القارية  ، من حيث اعتمادها على التدخل الحكومي الواسع النطاق لدعم النشاط الإنتاجي للقطاع الخاص ولحمايته من المنافسة الخارجية ،حيث عملت الدولة في هذه التجارب كحاضنة للقطاع الخاص ،ورغم أن هذه الحضانة  تمت في إطار زمني محدد ، آلا أن أهميتها تتجاوز عمرها الزمني ، لدورها في تفعيل دور القطاع الخاص الذي تميز  بسرعة الاستجابة وتحمل المسؤولية في عملية  إقامة المشاريع الصناعية ، وهذه الاستجابة هي التي أسرعت في نهاية فترة حضانة الدولة ، ودفعها إلى اتخاذ القرار ببيع معظم المشاريع الحكومية إلى القطاع الخاص. ومن هنا نجد أن وجود النظام السياسي  الحامل لعناصر إرادة التنمية كان هو الشرط الضروري الدافع للانتقال ،الذي أكتمل بوجود الشرط الكافي المتمثل بوجود القطاع الخاص القادر على تحمل مسؤولية النهوض بأعباء عملية التنمية.
. وهكذا نجد أن الدولة في تلك المرحلة قد جمعت بين  خاصية التدخل المؤقت لدعم الأنشطة الاقتصادية و توفير عناصر رأس المال الاجتماعي في حالة وجود قطاع خاص ضعيف ،كما في حالة اليابان وبلدان أوربا القارية  ،و بين  خاصية الحيادية و الأحجام عن التدخل في حالة وجود قطاع خاص قوي كما في حالة بريطانيا(9)  .
وبناءاً على ما تقدم نستطيع القول  أن الأفكار الليبرالية للاقتصاديين الكلاسيك لم تكن هي السبب وراء موقف الدولة الحيادي في تلك المرحلة ،وأن ما كانت تلك  الأفكار هي نفسها نتاج لذلك الواقع الاقتصادي، الذي كانت سمته الرئيسة الحرية الاقتصادية وضعف تدخل الدولة في الشأن.
ثالثاً:- مرحلة الاقتصاد الموجه والدولة المتدخلة
   بدأت الدولة بالتدخل بقوة  في توجيه النشاط الاقتصادي في السنوات اللاحقة الانهيار الاقتصادي العالمي الذي تلا الكساد الكبيرفي عقد الثلاثينات ،فقد برهنت هذه الظروف على أن القطاع الخاص  غير قادر لوحده على تصحيح تلك الأوضاع، كما أن آليات السوق لم تعد كافية للعودة إلى حالة  التوازن الاقتصادي ،هذا الواقع الجديد وفر  الأرضية  المناسبة لتعميم الأفكار الكينزية الداعية إلى  ضرورة  تدخل الدولة وخروجها عن دورها التقليدي والحيادي  ،كسبيل لمعالجة نواحي  النقص  أو الفشل في عمل جهاز الأسعار من خلال استخدام أدوات السياسية المالية ، خصوصاً بعد أن تبين أن استخدام  أدوات السياسة النقدية بمفردها غير كاف لتحقيق التشغيل الكامل للموارد، كما أن هذه الظروف سمحت للدولة بالخروج عن مبدأ توازن الموازنة ، حيث  اصبح بإمكان الدولة التوسع في النفقات العامة وأحداث عجز في موازنتها  ،إذا كان ذلك العجز يساهم في رفع مستوى الطلب الكلي الفعال و يساهم في  العودة إلى حالة التوازن الاقتصادي ،وفي ظل هذا الواقع الجديد  تطورت وظائف الدولة ، في ضوء الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها وأهمها رفاهية المواطنين من خلال تنظيم وإدارة النشاط الاقتصادي ، ولقد تجسد هذا التوجه بقيام الحكومة بتوفير السلع والخدمات وتوجيه الإنتاج ، كما استهدفت تحقيق التوزيع العادل للدخل وتحقيق الاستخدام الأفضل للموارد فأصبح تدخل الحكومة بارزاً في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية ،وتحققت إنجازات إنمائية كبيرة في الصحة والتغذية والتعليم ،ورغم هذا التطور في وظائف الدولة آلا أن السياسات الكينزية كانت تنصح  أيضاً بعدم  قيام الدولة بمزاحمة للقطاع الخاص في ميدان الإنتاج ، وحصر مهمتها في توفير عناصر رأس المال الاجتماعي. على أن تترك للقطاع الخاص مهمة تجهيز راس المال الإنتاجي المباشر  ، وفي هذه المرحلة منحت الحكومة صلاحيات لم يكن يسمح بها الفكر الكلاسيكي  يمكن تلخيصها بما يأتي(10)  :
1-  التأكيد على أهمية الوظيفة التوزيعية للحكومة في المحافظة على العدالة في توزيع الدخول .
2-  التأكيد على أهمية الوظيفة الاستقرارية للحكومة المتمثلة في تحقيق استقرار الأسعار والنمو الاقتصادي والعمالة الكاملة  من خلال التدخل لتصحيح الخلل في أسواق السلع والخدمات  و أسواق عناصر الإنتاج .
3- التأكيد على أهمية الوظيفة التخصيصية للحكومة المتعلقة بمعالجة  نواحي القصور  والفشل  في عمل جهاز السوق ،للوصول إلى  التوزيع الكفء للموارد.أن هذه  المبررات كافية للدعوة  إلى تخفيف القيود عن دور الدولة الاقتصادي ، و توسيع دور القطاع العام  ، التي برزت بوضوح في فترة الخمسينات والستينات.و التي رافقها تراجع كبير في دور قوى السوق ودور القطاع الخاص وقد تعزز هذا الاتجاه أيضاً  بفعل عوامل عديدة من أهمها(11) :-
1-العوامل الاجتماعية و السيكولوجية التي أدت إلى النظر إلى القطاع العام باعتباره سمة من سمات النزعة القومية ،و أخذت تفضل تدخل الدولة وتنظر إلى  تأميم الملكية الأجنبية بأنه يحقق إشباعا نفسيا  وشعوراً بالتفوق القومي .
2- تزايد القناعة بميل الإدارات الحكومية نحو التنظيم ،مقابل الاعتقاد بأن عمل نظام الأسعار كمنظم للنشاط الاقتصادي يمكن أن يقود نحو الفوضى .
3- النجاح  الذي حققته تجربة القطاع العام والتخطيط الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي ومجموعة الدول الاشتراكية سابقاً.
رابعاً:- مرحلة الدولة المنتجة والمخططة
     وصل موقف الدولة حدوده القصوى في الاتحاد السوفيتي ومجموعة الدول الاشتراكية سابقاً عندما تم البدء  باتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الكفيلة  بإزاحة القطاع الخاص من النشاط الاقتصادي بهدف تحويل  الدولة إلى دولة منتجة ومالكة لجميع وسائل الإنتاج ،و الجهة الوحيدة المسؤولة عن توليد وتوجيه الفائض الاقتصادي نحو المنافذ المسرعة لعملية التراكم الرأسمالي . وأهم ما يميز  هذه المرحلة هو تحول  أسلوب التنمية من نظام السوق إلى نظام التخطيط المركزي ، فالملكية العامة لوسائل الإنتاج والحاجة إلى تحقيق النمو المتوازن المخطط للاقتصاد القومي تجعلان من استخدام التخطيط لإدارة الاقتصاد القومي أمراً لازما،واستخدام التخطيط يتطلب وجود سلطة مركزية للتخطيط قادرة على توجيه الموارد ،وحتى يكون المخطط قادر على توجيه الموارد  و إلزام الوحدات الإنتاجية بتوجيهات الخطة الاقتصادية المركزية ،لابد من وجود الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج .لآن الملكية هنا تعني السيطرة ،والسيطرة تعني القدرة على التوجيه والرقابة . ومع استخدام التخطيط ظهرت الحاجة إلى وضع نظام لمحاسبة المشروعات الإنتاجية و الأشراف والرقابة العامة كأحد النشاطات الاقتصادية للدولة في ظل النظام الاشتراكي . واختلفت صيغة تدخل الدولة في ظل النظام الاشتراكي عن الصيغة السائدة في ظل النظام الرأسمالي ، التي تقوم على صيغة التدخل الجزئي ، وبالتالي مهما  أتسع نطاق القطاع العام  في الدول الرأسمالية ، فلن يمس الإطار العام  لعلاقات الملكية ، وسيبقى محصوراً في نطاق محدود وتابع للقطاع الخاص. فالتدخل الجزئي يهدف إلى علاج ما يعجز عن تحقيقه جهاز الأسعار ، وهو تدخل لاحق لحدوث الأزمة ،أي تدخل لعلاج الأزمة بعد وقوعها ،أو حينما تظهر بوادرها في الأفق ، في حين كان ما يميز  التخطيط  في الدول الاشتراكية كونه تخطيطاً شاملاً، و تدخل سابق لحدوث الأزمة لمنع حدوثها (12).
و أخيرا يمكن القول أن  الدوافع  وراء موقف الدولة  السلبي من القطاع الخاص في ظل النظام الاشتراكي كانت دوافع أيديولوجية ،تعكس الإيديولوجيا التي يتبناها النظام السياسي  ،  وهذه الإيديولوجيا هي النظرية الماركسية وهي نظام فكري يدعو إلى ضرورة سيطرة الدولة على عناصر الإنتاج والثروة ،وكل مكونات رأس المال الإنتاجي المباشر و رأس المال الاجتماعي ، وإزاحة القطاع الخاص خارج ميدان النشاط الإنتاجي باعتبار هذا نشاط اقتصادي يقوم على استغلال الطبقة العاملة .

خامساً:- الدولة والقطاع الخاص في الدول النامية

  تأثر موقف الدولة في الدول النامية من قضية التدخل في الشأن الاقتصادي بشكل عام وفي عملية التنمية بشكل خاص ، ومن مسالة تحديد طبيعة وحجم مشاركة القطاع الخاص في هذه العملية بعاملين رئيسين(13)  :أولهما داخلي يتعلق بالمهمة المعقدة التي واجهت الدول المستقلة حديثاً بعد الحرب العالمية الثانية ، المتمثلة بكيفية مواجهة الاختلالات الهيكلية وبخاصة اختلال العلاقة بين الموارد المادية والبشرية واختلال  هيكل الإنتاج ،  و ما يتبع ذلك من ضرورة تحديد أسلوب التنمية الكفيل بالقضاء على التخلف وتهيئة شروط الانتقال نحو التنمية.وثانيهما خارجي وهو أن اشتداد حدة التوتر الدولي بين دول المعسكر الغربي والشرقي ،الذي جعل التغييرات في السياسة الاقتصادية للدول النامية وبخاصة تلك المتعلقة بدرجة تدخل الدولة في الشأن الاقتصادي ، متغير تابع للمتغيرات في البيئة السياسية والاقتصادية الدولية ،وجزءاً من لعبة التوازن الدولي . ويمكن القول أن معظم دوافع التدخل في الدول النامية جاءت  بتأثير العامل الثاني ،أي كاستجابة للضغوط الخارجية  ، ولم تكن منبثقة  في معظم  الأحيان من متطلبات وشروط التنمية الداخلية.و أسفر هذا الواقع عن تقسيم الدول النامية إلى مجموعتين(14)  :-
- مجموعة الدول الصديقة للمعسكر الشرقي ، وتضم تلك المجموعة الدول النامية التي لعبت فيها  الأيديولوجيا اليسارية أو اشتراكية دوراً أساسياً في تحديد ورسم  حدود دور الدولة في التنمية الاقتصادية  ،و أعطت هذه المجموعة الدور القيادي في عملية التنمية  للقطاع العام ، و استخدمت أسلوب التخطيط المركزي  لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية، وأسفرت سياساتها الاقتصادية عن توسيع ملكية القطاع العام  وتحجيم دور القطاع الخاص وبخاصة في النشاط الإنتاجي وعمليات التجارة الخارجية .
- مجموعة الدول الصديقة للمعسكر الغربي ، وتضم  تلك المجموعة الدول النامية التي تتبنى  الأيديولوجيا اليمينية وفلسفة النظام الرأسمالي ،وتعطي الدور القيادي في عملية التنمية للقطاع الخاص ، و استخدمت على آليات السوق، و التدخل الجزئي للحكومة في النشاط الاقتصادي ، أي بالشكل الذي لا يمس الإطار العام  لعلاقات الملكية . وأسفرت السياسات الاقتصادية لهذه المجموعة عن إقامة نوع من الاقتصاد المختلط الذي يتعايش فيه كلا القطاعين ، ويتولى فيه القطاع العام  مهمة تجهيز مستلزمات رأس المال الاجتماعي بالإضافة إلى المجالات الإنتاجية التي تفوق الإمكانيات الاستثمارية للقطاع الخاص . و بناءاً على  التغيير في  موقف الدولة من القطاع الخاص في الدول النامية يمكن أن نميز بين مرحلتين :-
1-مرحلة الدور الموسع للقطاع العام
 أن المتتبع للسياسيات التنموية في البلدان النامية خلال الفترة من بداية عقد الخمسينات إلى أواخر عقد السبعينات من القرن الماضي يلاحظ أنها اتجهت في كلا المجموعتين  تقريباً نحو توسيع نطاق القطاع العام  ، وقد تفاوتت الحكومات فيما بينها حول مدى تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية وفي  حجم القطاع العام وطبيعة علاقته مع القطاع الخاص ، وفي الآثار المرجوة على علاقات الملكية ، وفي المبررات المقدمة للجماهير لتفسير أهداف التوسع في دور القطاع العام ، وذلك بحسب الاختلاف في نوع الأيديولوجيا التي يتبناها  النظام السياسي .
 و بشكل عام فان درجة هذا التوسيع  قد تأثرت بمجموعة من المعوقات والظروف والأهداف التي كانت تواجه جهود التنمية  ، التي من أهمها ما يأتي (15):-
1-    عدم كفاية البناء الارتكازي  وراس المال الاجتماعي، ولكون الدولة المصدر الوحيد 
2-    النقص في رؤوس الأموال المعدة للاستثمار
3-    ضعف مرونة عرض المهارات والكفاءات الإدارية والتكنيكية .
4-  قلة المنظمين الأكفاء ، وصغر حجم الوحدات الإنتاجية ،وعجز القطاع الخاص عن توفير موارد كافية للاستثمار في الوحدات الإنتاجية الكبيرة .
5-    عدم توفر المناخ الملائم للاستثمار المنتج و المحفز على الإبداع والابتكار وعلى زيادة الإنتاجية
6-  الاعتماد الكبير على استيراد المدخلات الوسيطة والمعدات الإنتاجية  ، وعلى العون الإنمائي والديون الخارجية، والاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر في تنفيذ وتجهيز واستمرار مشاريع التنمية .
7-  الرغبة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والتحرر من هيمنة الشركات الأجنبية ، سواء في قطاع الصناعات الاستخراجية أوفي قطاع الصناعة التحويلية.
8-  الرغبة في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الإقليمية وتحقيق الاكتفاء الذاتي والمحافظة على السلام الاجتماعي والآمن القومي.
أن هذه العوامل جعلت أراء المفكرين التنمويين  و المؤسسات الدولية ومنها البنك الدولي ،التي طرحت خلال عقود  الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، متسامحة مع القطاع العام  بل مشجعا له ،غير أنها كانت  تؤكد في نفس الوقت  على ضرورة إشراك القطاع الخاص في عملية التنمية .  وقد  أدى  ذلك الموقف إلى دعم عملية  توسيع دور  القطاع العام ، فبالإضافة إلى  وظائف الدولة التقليدية  في الدفاع وحماية الآمن الداخلي ،وبناء البنية الأساسية ، عرج القطاع العام نحو إدارة الاقتصاد الكلي من خلال تملك وسائل الإنتاج والسيطرة على الصناعات الناجحة  و الأنشطة ذات الأهمية الستراتيجية ، وتشجيعها من خلال توفير العملة الصعبة والقروض الميسرة والأراضي الرخيصة والحماية الجمركية ، وغيرها من الحوافز ،  وهذا ربما يفسر السبب وراء اندفاع معظم الأقطار النامية باستثناء مجموعة النمور الآسيوية نحو التوسع في الصناعات المعوضة عن الاستيراد، التي لا تتمتع في معظم الأحيان بأية ميزات نسبيه ،وف أحيان كثيرة تم ذلك لأسباب سياسية أكثر منها اقتصادية ، ورغم أن هذه السياسات أدت إلى زيادة مستويات التشغيل وتحسين أنماط توزيع الدخل ، إلا أنها  تسببت في تهميش وإضعاف القطاع الخاص ،وبخاصة في الدول التي أممت وصودرت فيها ممتلكاته  ،كما أدت هذه السياسات إلى تبديد أو سوء استخدام جزء كبير من الموارد المادية والبشرية ، واختلال هيكل التجارة الخارجية وتضخم الجهاز الإداري للدولة ، واختلال سوق العمل ،كما أفرزت سياسات الدعم المتباين اختلالا في هيكل الطلب وتشوهات في هيكل الأسعار، فضلا عن كل ذلك فأن النشاط الاقتصادي يجري في مناخ تغييب عنه  المنافسة ،بسبب العمل في إطار مغلق داخلياً ، في ظل احتكار القطاع العام للأنشطة الإنتاجية الرئيسية ، وخارجياً بسبب وجود جدار عالي من الحماية الجمركية . ومع مرور الوقت ،تقلص دور القطاع الخاص ، وشاع مناخ من عدم الثقة والرغبة في الاستثمار ، دفع ذلك إلى تقوقع أو هروب رؤوس الأموال المحلية إلى الخارج(16)  .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق